الأحد، سبتمبر 04، 2011

داروينة الأفكار


قد تخضع بعض الأفكار للموت كما هو الحال مع نظام الحياة للكائنات البشرية والتي تفترض النظريات البيولوجية بأن بقاء هذه الكائنات على قيد الحياة هو امتلاكها لخصائص وقدرات صالحة للزمن الذي ظهرت فيه بأن منحتها القدرة على التناسخ والانتخاب والتنوع بمساعدة تناسب الموارد البيئية المحيطة بها على البقاء.
كذلك الحال مع الأفكار فهي أيضا تنقرض وتموت بسبب أن الزمن لم يعد يناسبها، ولا يكون البقاء إلا للأفكار الصالحة التي تفرض نفسها على أرض الواقع. إن أساس الثقافة البشرية هي تلك الأفكار التي تشكل في مجموعها نتاجا ثقافيا بشريا يتطور ويتغير ويتبدل مع مرور الزمن وبات معقدا حتى ظهرت الحاجة لوجود نظرية تفسر نشأته وسر بقاء بعض الأفكار على قيد الحياة وموت الآخر.
فطرحت نظرية «الميمات» تساؤلات تحاكي بها عملية التطور الذي اهتم بالشأن البيولوجي للكائنات الحية، وتجيب عن كيفية انبثاق هذه الثقافات، وتقول بوجود التناسخ والانتخاب والتنوع بين الأفكار والذي جعل بعضها ينتشر على حساب الآخر. وسمت كل وحدة ثقافية بمفردة أطلق عليها تشالز داوكينز في كتابه «الجينة الأنانية» لفظ «ميمة» والتي عرفها على أنها نمط من المعلومات تحمله ذاكرة فرد ما، قادر على التناسخ في ذاكرة فرد آخر. ويتضمن هذا النمط أي شيء يمكن تعلمه أو تذكره، كالأفكار والمعرفة والعادات والمعتقدات والمهارات والصور... إلخ». ولقد تحدث عنها أيضا الباحث دانيل دينيت عن الوعي قائلا «الوعي البشري هو نفسه مركب هائل من الميمات أو بشكل أكثر دقة التأثيرات الميمية في الأدمغة» إنها نوع من مخدرات الدماغ. فالميمات أفكار معدية تتنافس جميعها في نيل حصة من أدمغتنا بنوع من الانتقاء الدارويني، ومع تطور الميمات تصبح أفضل وأفضل في إلهائنا وصرفنا عن كل ما نود فعله بحياتنا. ولقد ذكرتني «نظرية الميمات» بتلك التجربة التي أجربت على ثلاثة قرود وضعوا داخل قفص يتدلى من سقفه عذق من الموز كلما حاول أحدهم قطف موزة، يعاقب العلماء جميع القردة برش الماء عليهم حتى يرسخ لدى القردة اعتقاد أن قطف الموز يجلب لهم العقاب، وأصبح هذا الفعل محرما بالإجماع ومن يخالف ذلك من القردة فسيعاقب بالضرب من القردة أنفسهم!
فأخرج بعدها العلماء قردا قديما وأدخلوا قردا جديدا، فأول ما قام به هو المحاولة للحصول على الموز المحرم، فقاما القردان بضربه ومنعه لأنهما كانا يدركان من خلال التجربة المسبقة أن العقاب سيطولهما دون الحاجة للتأكد من ذلك، وتوالى مع الوقت إخراج قرد قديم وإدخال جديد حتى تحول كل من في القفص من القردة الجدد إلى حراس للموز الذي هو رمز لفكرة «ميمة مؤثرة» انتقلت إليهم فأصبحوا مقلدين لغيرهم بضرب أي قرد يحاول أن يحصل على الموز وتشارك الجميع في هذا الاعتقاد بهذه الفكرة دون خوض التجربة للوصول إلى المعرفة.
ونحن في الغالب نميل إلى الاعتقاد بأننا نملك أساسا فكريا ثابتا غير قابل للتغير معتمدين عليه في البناء ومتوهمين أننا نؤسس من خلاله رؤية واضحة لإدراك العالم من حولنا.

الاثنين، فبراير 07، 2011

ترف الثوره !


لا أحب متابعة الشأن السياسي وخاصة العربي منها، ولا أفضل الخوض في نقاش حاد أيضاً حول توقع حدوث تغييرات جديدة.
ليس لأنني أفضل الوضع الراهن ( حاشا أن لا أفعل ). بل لأن السياسة لا تنتهي منها إلا بعد أن تغيب شمسك. سواء بالموت الطبيعي أو بغيره، فغياب الشمس واحد وإن تعددت الأسباب!
لكن هناك إستثناء يحدث كل أربعة أعوام فقط حين - أتابع الانتخابات الأميريكية- ولا تعتبرني هنا أخالف ما ذكرته سابقاً، بل لأنني بت أعشق الإثاره من كثرة قنواتنا الرياضية التي أجبربتي على متابعة جميع المسابقات الرياضية، فأدمنت المراهنات على من يفوز !
ومن جهة أخرى قد أعتبر أيضاً قراءة الكتب ومتابعة المحللين السياسيين لا تختلف كثيراً عن متابعة العرافين والمنجمين. فهم كاذبون ولو صدقوا! فلو تلقي نظرة سريعة على شريط الثلاثين سنة الماضية فلن ترى سوى ذات الدائرة والصراع المستمر، لتدرك كم هي أو هم قد سرقوا من الوقت المفترض أن تعيشه أنت حين أجبروك على البقاء لساعات طويلة تترقب الحدث تلو الآخر، حتى تشيخ وتمر بك السنين وأنت تنتظر رهانك على الوعود التي يزعمون أنهم سيحققونها وكأنك أصبحت هم حين يتحدثون وهم يعقلون بتلك الوعود الرخصية.
لكن ما يحدث الآن بسبب الثورة الرقمية التي تعدي وتنتقل كفايروسات العصر الجديد، تجلعني أصاب بالهذيان من توقعات الأصدقاء وترقبهم الدور الجاي على مين؟
ولهذا وجدت نفسي قد هذيتُ في مقال سابق قائلاً بأن الجوع هو دافع التغيير، ولن يقدر على مقاومته ممتلئ البطون من كثرة الجلوس دون أن يفكروا باقتسام لقمة العيش مع جموع المتفرجين عليهم، والثائرين في الشوارع ( لكنهم كثير ويعز عليهم إطعام الفقير!!) ، رغم أن الثورة قد تجلب معها الكثير من الشرور وأشدها كما يقول أرسطو : إشاعة الاضطراب. لهذا ينصح الحاكم الذي يريد أن يتجنب الثورة أن يمنع في بلادة تطرف الفقر وتطرف الثورة".
لكن يا فيلسوفي العظيم " إحمد ربك ، فلو كنت مستشار لغابت شمسك الآن" فكيف تنصح الحاكم أصلاً حين يكون التطرف في الفقر قد عم البلاد وكيف تقول بأن عليه أن يخشى التطرف في الثورة .
فالفقر قد عرفه وشاهد كيف تطرف وأوغل في تطرفه ...... لكن لم يسفعه الوقت ليشاهد تطرف الثورة لأنها حين تقوم وتخرج في الشارع فهي لن تعود ، لن تعود ، كونها اخترقت الحدود .... ولن تقبل أن تعود فهي لا تأمن من خدرها بالوعود .

الجوع دافع التغيير


هناك قاعدة فقهية تبيح المحرمات وقت الضرورة، ولهذا اضطرت بعض العائلات في تونس إلى شراء وتناول لحم الحمير الذي يلقى رواجا كبيرا في تونس لرخص أثمانها مقارنة ببقية اللحوم، حيث لا يتجاوز سعر الكيلو الواحد من لحم الحمار خمسة دنانير نحو ثلاثة دولارات ونصف، في حين يتجاوز سعر كيلو من لحمة الضأن 14 دينارا تونسيا «أكثر من عشرة دولارات» ويقوم الجزارون بشراء وذبح هذه الحمير من سوق الدواب تحت إشراف «فريق صحي»، ولأن أكل اللحم قد يبدو ترفا أكثر من كونه ضرورة في نظر البعض الذين يقيسون خط الفقر على توفر الحاجات الأساسية مثل الخبز فهو أيضا كان يشهد ارتفاعا ملحوظا في سعره منذ عام 2007 بنحو 5 %.
وحين سألت ماري أنطوانيت عن سبب غضب الفرنسيين وأخبروها بأنهم غاضبون لأنهم ليس لديهم خبز. أجابتهم بجواب كان السبب – كما يروى- لقيام الثورة حين قالت: ليأكلوا كعكا إذا! فانفجر الفرنسيون غضبا ليقبضوا عليها قبل هربها من باريس.
ورغم ذلك، كتب المؤرخون واصفين ذلك الغضب بأنه ثورة الطبقات المحرومة ضد الطغيان الإقطاعي وتوطيد لسلطة البورجوازية الرأسمالية الحديثة ضد نظام اقتصادي واجتماعي مقيد وعتيق، فيما ذهب الكثيرون إلى أن الثورة الفرنسية كان يقف خلفها الفكر الفلسفي الذي ثار في وجه الكنيسة واختار باريس عاصمة للحرية والأرض، فهي القادرة على احتضان المفكرين الأحرار، فأطلق على ذلك العصر في كتب التاريخ «عصر الأنوار».
ومن يفهم التاريخ جيدا يدرك أن «الجوع» كان المحرك الحقيقي وراء الرغبة في إحداث التغيير، وأن المواجهة مع الموت في سبيل الحصول على لقمة هو الدافع الأكثر منطقية من بين كل الشعارات السياسية الرنانة، ومن تلك الأفكار المثالية التي ما إن يصل أصحابها لموقع المسؤولية حتى يصابوا بتخمة من الأكل والركض وراء المصالح فيغيب عنهم أبسط واجب وهو السؤال عن حال الناس.

مت في الوقت المناسب




كثيرون يموتون متأخرين جدا، وقليلون يموتون مبكرين جدا، تبدو التعاليم غريبة: «مُت في الوقت المناسب»!
ربما ستبدو هذه لوحة إرشادية في عام 2100، فهناك احتمال مبني على أنماط الزيادة في المواليد مقارنة بالوفيات بأن العالم في ذاك التاريخ سيبدو مختلفا جوهريا عما هو عليه الآن، حيث سترتفع نسبة المواليد وتنخفض نسبة الوفيات في حال استمرار الطب الحديث في المساهمة برفع نسبة العمر المتوقعة لسنة واحدة فقط كما تشير بذلك الإحصائيات الأمريكية لعام 1990 والمتوقعة لعام 2000. ناهيك عن حدوث اكتشافات مذهلة في هذه الفترة المتوقعة ساهمت في إحداث قفزة في مجال إطالة الحياة أو زيادة المواليد!
ولعل التفكير باكتشافات طبية من قبيل «الحبوب الزرقاء» قد يجعل الاحتمال وارد التحقق حيث تتميز فترة الشيخوخة بالفترة الهادئة نسبيا، والتي لا يفكر فيها الشيوخ إلا في المزيد من النوم والخلود للراحة دون مشاركة الآخرين! ولعل اكتشاف مثل هذه الحبوب ساهم بشكل واضح في إضفاء الصخب والمراهقة المتأخرة لهؤلاء الشيوخ! وأصبح من النادر أن نرى شيخا كبيرا لا تغازله فكرة «التشبب» ولا يصيبه الهوس برغبة اكتشاف العالم من حوله قبل أن يموت. وربما سيكتشف إن أسعفه وقته أثناء السفر أن هناك اكتشافا آخر يطيل عمر الإنسان وذلك عن طريق حقنه بخلايا جذعية مأخوذة من أجنة حيوانات حديثة الولادة في أولى مراحلها، وتمتلك هذه الخلايا القدرة الكامنة على التحول إلى أي خلية أو نسيج بالجسم البشري الذي بلي مع مرور الزمن بفعل الشيخوخة فيزيده شبابا ونضارة ليتخطى الـ100 سنة وهو بكامل حيويته، فتراه قادرا على النهوض لوحده والمشي لمسافات دون استخدام أي من الآلات التي ترافق أقرانه. ولأن الحياة لا تقدر بثمن، فبالتأكيد ستكون مثل هذه الحقن الجذعية باهظة الثمن ويخضع المنتجع الصحي الذي تقدم فيه لشروط خاصة وصارمة لمن يفكر بالانضمام إليه. وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، يشق علينا نحن الشباب أن نفكر بخوض مراحل الحياة بشكلها الطبيعي دون اللجوء إلى مثل هذه المغامرة والتفكير بإطالة فترة الحياة بأجساد لا تقدر على الاستمرار فيها، وأن نموت في يومنا كما يقول زرادشت.


بين التوقع والتجربة


قبل أن يتم اكتشاف أستراليا كان أناس العالم القديم على قناعة تامة بأن جميع طيور البجع إنما هي بيضاء، ولعل الوقوع على البجعة السوداء الأولى كان يمثل مفاجأة مدهشة! وهذه المسألة تؤكد شدة محدودية معارفنا المستقاة من الملاحظة والتجربة، كما تشير إلى مبلغ هشاشة مداركنا عن الأشياء والأمور. ويذكر الدكتور نسيم طالب مؤلف كتاب«البجعة السوداء» أننا نميل إلى التصرف كما لو أن الحقيقة هي ما نعرفه أو ما تعلمناه مسبقا، وبذلك أصبحت لدينا خلطة ينتح منها ضعف التوقع وشدة الأثر، تجعل من حقيقة وجود البجعات السوداء لغزا محيرا.
وهو أقرب في اعتقادي لمبدأ العادة الذي وصفه ديفيد هيوم في كتابه «مبحث في الفاهمة البشرية» حين ذكر أنه يجب أن نكتفي بوصف «مبدأ العادة» المبدأ الأخير الذي يمكننا تعيينه، ولا داعي للتذمر من ضيق ملكاتنا لأنها لا تريد أن تقودنا إلى أبعد مما نتوقع، وينتهي إلى أنه لا يمكننا التوغل أكثر، لأننا سنعود للدوران في الدائرة نفسها، فالعقل عاجز عن الخروج منها، وعبّر عنها في قانون السببية دون أن نمنع أنفسنا من التوقع والتجربة في الوقت نفسه.
هذا المزيج المركب بالإضافة إلى طريقة التلقين وتلقي المعلومات المعرفية من جيل إلى آخر كحقيقة غير قابلة للنقض، جعلتنا أسرى للانتظار! فعندما نرمي حجرا في الهواء «ننتظر» حقيقة سقوطه على الأرض، لأننا اعتدنا كبالغين من خلال التجربة المسبقة على ما سيحدث لاحقا. وعندما تسكن هذه الأفكار الجازمة عقولنا فإننا سرعان ما نرفع من مقامها بحيث تكون غير قابلة لإخضاعها للنقاش أو وضعها تحت المجهر لأن لدينا ميلا لمعاملة معرفتنا وكأنها مكتبة شخصية ينبغي علينا المحافظة عليها بشيء من المبالغة دون أن نقيم اعتبارا ووزنا لكل ما لا نعرفه بعد في تلك الكتب الأخرى غير المقروءة! فالاعتقاد بأننا نفهم أكثر مما ندرك في الواقع هي فكرة مثالية لا يمكن الجزم بها أيضا.

أهم شي الأخلاق

فالوقوف عند الإشارة أو اللحاق بمائدة الإفطار الشهية هي مسألة مازالت قابلة للجدل ولم تحسم عند الكثيرين في كل رمضان، فالاختيار بين الاقتداء بالسنة بتعجيل الإفطار أو الالتزام بالقانون بالوقوف عند الإشارة التي تشكل المانع نحو الحصول على الأجر هي محل خلاف في ذهنه.
وإن مثل هذه المسائل – خاصة تحت تأثير الجوع الذي قد يُذهب العقل – تتطلب العودة للنصوص الصريحة التي لا يقبل معها القياس. وهي كالكثير من الأمور المستحدثة لا يعد الالتزام بها سوى اعتبارها مجرد «قانون» لا يثاب فاعله بقدر ما يعاقب مُخالفة بـ«غرامة مالية» في حال قبض عليه متلبسا.
وغالبا ما نجد من يبرر هذه السلوكيات بأن الجميع صائمون ولهذا فهم ليسوا في مزاج جيد! وإذا قبلت بهذه الفكرة فيجب عليك إذا أن تخاف من مقابلة أصحاب المزاج السيئ طوال شهر رمضان.
وقد يقودك هذا الخوف لأن تتصرف بطريقة قد تؤدي إلى وقوع الكارثة، فتظل قلقا ومتوترا طوال اليوم لأن الجميع ليس في حالة مزاجية جيدة تجعله يفكر بك، بدل أن يفكر في الوقت المتبقي لأذان المغرب! ناهيك عن أنه لا يقوم بعمل نافع أو خيّر سوى أن يمتنع عن الطعام والشراب، ويظن في قرارة نفسه أنه أنهى المهمة بإتقان، لأنه صام الشهر كاملا!
والسؤال هنا: لماذا احتل الصوم عند الكثير مكانة كبيرة جدا تفوق غيره من أركان الإسلام، حتى تجد البعض لديه الاستعداد لترك كل شيء والتخلي عن كل شيء – حتى الصلاة – من أجل أن يتمسك بالصوم!

تهريج فلسفي




فـ”بولدوغ” زميل ” د .كرين ” الشخصية الرئيسية في المسلسل الكوميدي ” فريجير” أراد أن يستخدم امرأة كدرع بشري كي يحتمي من شخص مسلح، فيسقط سلاح هذا الأخير من يده ويهرب بعد أن أوقع “بولدغ” كوب القهوة عليه عندما حاول الاختباء خوفاً لا شجاعة منه، فظن جموع الحاضرين بأنه بطل خارق، خاطر بروحه من أجل إنقاذهم، لتنتشر القصة بالمدينة ويمنح جائزة رجل العام، ويعيش مستمعاً بهذا الشعور دون أن يفسد عليه ضميره متعة ما حظي به من امتيازات جاءت بفضل سلوك أناني وجبان!
لكن “د. كرين” يؤمن كالكثير بأن الضمير هو الذي يردع الناس أكثر من القوانين والأعراف عن ارتكاب السوء، وفكرة وجود إنسان طبيعي لا يتمتع بأي ضمير حي تهز رؤيته للعالم برمته! ويتسائل: كيف يمكن لشخص أن يهنأ بالنوم بعد أن ارتكب سلوك مشيناً دون أن يقّظ التأنيب مضجعه؟
ظل”د. كرين” يبحث عن هذا الجواب الذي جاء في رد ” بولدغ ” التهكمي حين قال: لماذا يزعجك عدم شعوري بالذنب؟ فهذه المسائل الصغيرة لا تؤثر فيّ على الإطلاق، فقد أكون ولدت من دونه، كما يولد الإنسان بدون إبهام كبير في قدمه!
لكنه لم يقتنع بهذا الجواب كونه مؤمن بأن كل شخص يملك ضميراً بداخله. ولهذا ظل يسعى حتى نهاية الحلقة لأن يوقظ الضمير المدفون في مكان ما بالداخل، لكن عليه أولاً أن يجد الطريقة كي يدفعه خارجاً.
فعل الخير هو الذي يمنح الضمير شعوراً بالغبطة والسرور، ولهذا قال بعض الفلاسفة بأن الإنسان حين يختار فعل الخير فهو يختاره من أجل ما يمنحه من شعور بالرضا والسعادة لا من أجل الفضيلة. ولهذا يقول أرسطو ” بأن هدف الحياة ليس في الخير ذاته، بل بالسعادة. ونحن نختار السعادة لذاتها لا لشيء آخر.”
يناقش هذا المسلسل وغيره من المسلسلات الغربية أفكاراً فلسفية جميلة، ويحرك في العقل أسئلة تدفعنا نحو البحث أكثر من حولنا، وتغوص في أعمق المعضلات التي يحاول الإنسان على مر الزمان فهمها بشكل بسيط وغير معقد، ويعيد صياغة معادلات ثنائية كالخير والشر، والظلم والعدالة، والهزيمة والانتصار وذلك من خلال معالجتها عبر مشاهد قد نمر بها في حياتنا اليومية فتبدو هذه القيم قريبة أكثر وموجودة بعالمنا متجاوزين فكرة التهريج في مسلسلاتنا العربية بحجة أن “هذا ما يريده الجمهور” و”المخرج عاوز كده”.

الثلاثاء، يوليو 20، 2010

بين العلم والقناعات

في محاضرة «رحلة المستقبل» للعالم الدكتور أحمد زويل، ذكر أنه لا توجد هناك حدود للعلم، وأن أي اكتشاف علمي جديد سيستفيد منه العالم أجمع، فليست هناك جنسية أو قومية لأي عالم أو علم.
وأضاف أنه حين زار الهند وجد فيها كل المتناقضات، حيث شاهد التباين بين الفقر والغنى، والتقدم والتخلف، وتعدد الديانات، وتعدد العقليات، إلا أن ذلك لم يمنع دولة مثل الهند أن تنجب عباقرة القرن، وأن تساهم في التقدم التقني والتكنولوجي المستمر، وأن سبب ذلك هو حضور الرؤية التي عبر عنها بالحلم، عوضا عن التذمر والشكوى من سوء الأوضاع، التي تحبط الهمة.
وقبل فترة اكتشف باحث سعودي أشلاء جمجمة عمرها 29 مليون سنة، قد تكون لكائن حي من «الرئيسيات» ويعد هذا معجزة ليس فقط لأن مكان الأحفورة من الصعب أن يلاحظ من قبل أي شخص مهتم ما لم يمتلك عينا تملؤها الأحلام في فهم هذا العالم.
فرغم الاعتقاد العلمي بأن هذه المنطقة كانت قبل ملايين السنين مغطاة بالمياه، وأن أغلب الكائنات التي يعتقد بأنها عاشت لا تعدو أن تكون كائنات بحرية، إلا أن هذا الاكتشاف ربما سيحل ألغازا علمية كثيرة، ويكمل السلسلة المفقودة لفك الغموض الذي يحير العلماء في فهم الآثار التي تركها الإنسان الأول، ويعينهم على معرفة الطرق التي انتقل بها من قارة إلى أخرى، ولماذا خاطر في ركوب البحر رغم جهله بالوجهة التي يتجه إليها.

إن بعض الاكتشافات قد لا تتلاقى أحياناً مع قناعاتنا، لكن يجب علينا أن لا نضع العلم والدين في مواجهة بعضهما البعض وذلك، لأن العلم يتعلم ، في حين أن الدين يُعلّم والشك هو محرك أحدهما.


الخميس، يوليو 15، 2010

الكاس سعودي

في عام 98 كانت هناك خطة استراتيجية ستظهر في عام 2010 وبناء عليها سينافس المنتخب السعودي للظفر بكأس العالم! ولأن الأحلام ليس لها سقف، فلقد آمنت بإمكانية حدوث تلك المعجزة وقتها كون التاريخ كان يبدو بعيدا كبعد الأحلام ذاتها.
لكن كأس العالم انتهت ولم يظهر المنتخب السعودي حتى ينافس على اللقب، وربما سيحصل عليه في كأس العالم القادمة كما فعلت فرنسا حين لم توجد في كأس العالم 94م وحصلت عليها في عام 98 حين كان المنتخب السعودي يستعد للعام 2010 للحصول عليها.
الكرة السعودية شاركت لأربع مرات متتالية لكنها عجزت عن الاستقرار الذي يصاحب الكبار في حين أنها راحت تتهاوى في كل مرة تشارك فيها كالصغار حتى حضر عام 2010م ولم نشاهدها في كأس العالم الأخيرة فضلا على أن الخطة كانت هي المنافسة للحصول على كأس العالم، وفي المقابل أصبح المنتخب الياباني والكوري الجنوبي- وهما أقل تاريخا كرويا، وأسرع تطورا فنيا من المنتخب السعودي- من المنتخبات القوية التي أسست لمنهج كروي مستقل ومستغل للإمكانيات التي يمتلكها عملاقا الشرق الآسيوي، أحد الموجودين ليس بالحضور فقط بل بفرض وجودهما كأحد أطراف الأدوار النهائية، والتسابق للمرة الثانية لتنظيم كأس العالم لعام 2022 منافسين ملف قطر الصغير والضخم، ورغم كل ذلك لم تدرج من ضمن خططهم- أو نسمع على الأقل- خطة (الحلم) الحصول على كأس العالم قبل أن يربح تنظيمها أولا.
هناك فرق بين أن نحلم وبين أن نتحمس، ويتضح الفرق أكثر في أحد المؤتمرات الصحفية حيث صرح أحد لاعبي منتخب غانا الشاب، قائلا بأن وجوده في كأس العالم الماضي عام 2006 كان حلما، وأنه عاش الحلم، وبات الآن في عام 2010 متحمسا. وفعلا كان له ما أراد حيث قاد الحماس المشترك منتخب بلاده للأدوار النهائية ولولا أن ضاعت ركلة الجزاء في آخر دقيقة من مباراتهم الأخيرة لكان وقود الحماس هو حصولهم على أحد الأرقام الأربعة.

مواقف مجانية

ساهم التطور لوسائل التقنية في أن نتفاعل مع الأحداث ونتشارك الهموم والاهتمامات، وبات من السهل جدا أن نسجل موقفا تجاه الأحداث التي تمر بجوارنا ما دام الأمر لن يكلفنا شيئا حقيقيا!
فالكثير من المنتديات والمواقع الاجتماعية تهب في تبني موقف ما من خلال إنشاء سريع ومجاني لصفحة إلكترونية محملة بشعارات وصور وأسماء وهمية، وتطالب الجميع بأن ينضم إليها، ويضع شعارات الحملة على صفحته الخاصة كي يحشد أكبر قدر ممكن من المؤيدين، ويكفيك أن تسجل موقفا بنقرة واحدة تستجيب فيها لدعوة صديق للاشتراك في مجموعة تطالب بحقوق الإنسان مثلا أو تحرير فلسطين، أو الحد من ظاهرة الفقر!
والعجيب في الأمر رغم انتشار مثل هذه الحملات إلا أنها لم تسهم في إحداث تغيير حقيقي على السلوكيات والتصرفات في مجتمعنا!
فالكثير والكثيرات الذين استيقظ ضميرهم لتلك الدعوات لم يمنعهم الضمير نفسه من شراء حقيبة أو هاتف بالآلاف من أن ينضموا لحملة مكافحة الفقر! ولم تحرك فيهم حملة حقوق الإنسان من أن يمنحوا الخدم إجازة أسبوعية أو يكفوا عن معاملتهم كالآلات التي لا تنام! ولم تحد حملة مكافحة العنصرية من التنابز بالألقاب ومعاملتهم للأجنبي والنظر له بتعالٍ وفوقية!
وقد تجد الكثير من هؤلاء لا يجد حرجا في أن ينتسب لمجموعات أو حملات رغم أنها تناقض نمط حياته وسلوكياته، وذلك لأنه لن يكون مضطرا للتحول أو البدء في التغيير حين يلتزم بالانضمام، فلن يراقبه أحد، ولن يتعرف عليه، فهو مجرد شخصية تختبئ خلف جهاز لا يمكنه إصدار الأحكام.
هذه الحملات المحملة بشعارات وأهداف نبيلة تزدحم غالبا بالصور والحكايات المؤلمة لا تعلمنا ألا ننسى فقط، بل أن نتذكر!
فنحن نتشارك مع الجميع بالحياة على هذه الأرض، وإن ظهرت في سمائنا حملة من هذه الحملات فعلينا أن نسجل موقفا حقيقيا في حياتنا الواقعية، قبل أن نسجل موقفا مجانيا في صفحاتنا الوهمية!

التخويف كدعاية محفزة

انتشرت قبل فترة رسائل تحذيرية عن منتجات غذائية لإحدى الشركات المشهورة، وبسرعة تناقلت الناس هذه التحذيرات راجية من الجميع نشرها لمن هم من في قائمة بريدك!
في السابق كانت هذه التحذيرات لا تحمل أي مصدر سوى أنك تعرف بريد من نقلها إليك، وتطور الأمر بعد أن ازدادت ظاهرة التحذيرات وفقدت مصداقيتها لدى الكثير، ليبدأ مصدرو هذه المعلومات باستخدام طرق أخرى أكثر إقناعا تبدو فيها المادة كالخبر الرسمي من حيث المفردات الغامضة والجازمة التي تضخم الحدث بأسلوب توثيقي متطور يستند لصحته بوضع رابط يحيلك إلى رابط آخر، وهي عملية مضجرة هدفها أن تسأم البحث عن صحة هذه المعلومة.
وأتذكر أنه انتشر منذ فترة أن نهاية العالم باتت وشيكة، وأن هناك نجما سيصطدم بالأرض في غضون أشهر ويدمر ما عليها، وأن وكالة ناسا الأمريكية لا تريد أن ينتشر الخبر كي لا تحدث فوضى! وأن على الجميع التوبة إلى الله، ومن لم يصدق فعليه الدخول لرابط لصفحة «ناسا»!
ورغم أن الخبر يناقض نفسه، حيث إن «ناسا» تكتمت على الخبر، وفي الوقت نفسه تنشره في موقعها! إلا أن الجميع بالتأكيد كان مصدوما من هذا الخبر الذي استحوذ على عقله.
لكن الحقيقة التي تظل غائبة دوما، وهي أن المصدر لم يكن سوى مجرد مدونة باللغة الإنجليزية مهتمة بالنظريات الفلكية. فبعد أن تضغط على الرابط عليك أن تنتظر لتكتمل معالم الصفحة المحملة بالصور وملفات الفيديو والتي تبطئ من عملية التصفح لتعرف الكذبة، لكن من حاول وقتها ربما فقد الأمل للتحقق من صحة الأمر، فحقق الهدف من نشر هذا البريد الإلكتروني الخطير للجميع!
هناك بالتأكيد أشخاص يستفيدون من تصدير مثل هذه المعلومات الدعائية ويحرصون على انتشارها بهدف تسويق «بضائعهم» مستغلين سطحية تعاملنا مع هذه التقنية الجديدة.

الإجابة المثالية

في عالم الجريمة هناك نبش للبحث عن الجريمة المثالية، وفي عالم التواصل بين الأزواج هناك دائما توق للبحث عن الإجابة المثالية، فحين تلجأ المرأة إلى استشارة الرجل، فهو يرتكب خطأ حين يعتقد أنه سيجيب بالإجابة المثالية، فالمرأة حين تسأل فهي لا تبحث عن إجابة لا تعرفها وإنما هي بحاجة إلى موافقة لإجابة متوافرة مسبقا داخل عقلها.
وفي كتاب «لماذا لا يستطيع الرجال أداء أكثر من مهمة في وقت واحد»، تطرح باربرا بيز استراتيجية لإنهاء الجدل القائم بين المرأة والرجل، من منطلق أن الرجل كعادته يحب التصدي دائما لحل المشكلات، فيحاول إبداء رأيه وإصلاح ما لا يعرف، في حين تفضل المرأة بأن تعطي «الخباز خبزه».
وقد أوصى الكتاب بأنه حين تسأل المرأة أي حذاء يناسب فستانها الذي سترتديه الليلة مثلا، سيظن الرجل بأنها تريده أن يحل المشكلة، ويختار لها الحذاء منهيا حيرتها، وعندما لا توافق على رأيه يظن أنها لم تقدر له ذلك، فينزعج من طريقتها.
وحقيقة الأمر، كما تقول باربرا، أن المرأة اختارت فعلا الحذاء الذي تريد، ولم تكن بحاجة إلى وجهة نظر أخرى، وإنما هي بحاجة إلى من يؤكد لها بأنها ستبدو في صورة جميلة، فقط لا أكثر.
وقد تنجح هذه الطريقة إذا حاولت تطبيقها في حياتك لفترة من الزمن، شرط ألا تعرف المرأة التي تتعامل معها عثورك على هذا السر الخطير، وعليك أيضا ألا تكرر هذه الطريقة حتى لا ينكشف أمرك، الذي لن يدوم طويلا حيث ستعرف هي أن هذا يعد مخالفة لطبيعتك الرجولية، التي كانت يوما سر انجذابها إليك رغم أنك استطعت فهمها وقفزت في سلم التواصل معها بشكل أفضل.
إن فهم سلوكيات المرأة والرجل لا يعد إلا محاولة للحد من وصول أحدهما إلى الجنون، وهذا الإدراك هو ما يجعل الحياة معها أو من دونها مستحيلة بالنسبة إلى الرجل! وكذلك تظن المرأة أيضا!

دعوة لمقاطعة نسائية

شكل عام ندرك أننا مجتمع تغلب عليه ثقافة الاستهلاك وتنحسر معها مهارات الادخار، وإلا لما شاهدنا الانتشار الملحوظ للأسواق في كل زاوية، ولاحقتنا اللوحات والرسائل الدعائية التي تحرض على الشراء منزوية كالطعم من تحت الأبواب، فحين ترى كل هذه الأسواق المضاءة ليلا ونهارا تتعجب كيف لها أن تغطي هذه التكاليف! رغم كل هذا الوقت والمسافة التي يحتاج إليها شخص ينوي التجول بداخلها، فأصحاب المال وجدوا سوقا مربحا لهم بالتأكيد هنا، فنحن في حاجة ماسة لكل شيء، نحب أن نمتلك ما لا نريد، وأن نحصل على ما لا نحتاج، ربما خوفا من أن تنتهي أو تنقرض تلك السلع!
ولأن التسوق سمة مرتبطة بالنساء حيث تسري بداخلهن رغبة ملحة تتزايد حين تقف أمام سلعة لتتأمل بطاقة تخفيض وتصبح غير قادرة على مقاومة هذا الإغراء، فتسهم في تنمية هذه الظاهرة التي تزيد بدورها من تضخم هذا النتاج الاستهلاكي من حولنا، فتزداد الأسواق والأسعار عرضا، لتلاحق الرغبات وتلبي الطلبات، حتى لا تجد بُدًّا من أن ترضخ للدفع بدل أن تجد نفسك خارج القطيع في أقل المبررات إقناعا.
ولك أن تتأمل أكثر السلع الخاصة بالنساء فتجدها تحمل أرقاما كبيرة، تتضاعف مع مرور الوقت، وسبب هذا هو وجود الزبون الدائم الذي يشتريها، دون أن يفكر حتى في حاجته إليها، أو أن يتوقف لإخضاع سعرها للمنطق من جديد، ولك أن تجمع أي سلعتين إحداهما خاصة بالرجل والأخرى خاصة بالمرأة وتقارن بينهما كي تفهم المعنى!
ونجد أن السلع ذات الأسعار الأعلى تحتل المساحة الأكبر، ويبالغ في أسعارها الخيالية، لا لجودتها أو لكلفة تصنيعها! بل لأنها حين تعرض في الأسواق ستجد حتما من ينتظرها بفارغ الصبر!
ورغم أن الأشياء تكسب قيمتها من ندرتها ـ والندرة هي أن تبقى في غير متناول اليد ـ إلا أن زيادة العرض لهذه السلع النسائية وانتشارها ترفع أسعارها أكثر وأكثر، محطمة قوانين السوق المتعارف عليها.

سؤال وجواب؟

كان سقراط مؤمنا بأن الذين يطرحون الأسئلة هم دائما الأكثر خطورة!! فأن تجيب ليس أمرا مربكا كما يقول؛ لأن سؤالا واحدا يمكن أن يفجر ما لا يفجره مئة جواب، ولكن قد يصاب سقراط بخيبة كبيرة عندما يشاهد السؤال المحفز تحول اليوم لسؤال استهلاكي لم يعد يحرك أو يفجر إلا مزيدا من القنوات والأرباح،
ولأن الفتوى مرتبطة ارتباطا وثيقا بالسؤال فإن المتأمل في الأسئلة المطروحة للفتوى لا يجدها قد تغيرت عما هو متوافر في الكتب الشرعية المعروفة، ولا يجد السائل صعوبة في الحصول عليها مستعينا بمحركات البحث الإليكترونية.
ولقد نشر مجمع الفقه الإسلامي أخيرا دراسة إحصاء للفتوى حيث هدفت من خلال الإحصاء إلى «دراسة واقع السؤال والجواب في الفتوى»، للوقوف على أبرز المسائل التي يسأل عنها، والتنبه للأسئلة التي يقع فيها اضطراب في الجواب، فلا يخفى غياب ذهن المفتي احيانا وانصرافه أثناء إلقاء السؤال، فيأتي الجواب مجانبا للسؤال، أو يأتي على غير مراد السائل، أو يكون السؤال بما لا يحصل به المقصود من الفتوى.
وقد خلصت إلى أن القنوات الفضائية وانتشارها أسهم في إنتاج عدد ضخم من الأسئلة وصل إجمالي عددها على سبيل المثال في برنامج «إفتاء» من خلال 244 حلقة إلى ما يقارب الخمسة آلاف سؤال «4571» لثلاثة أشهر! ورغم هذا العدد الكبير من طرح الأسئلة فإن هذه النتيجة لم تنتج فقها مقارنا أو جديدا يمكن الاستناد إليه في البحث لتأسيس قواعد كلية جديدة.
وفي الجانب الآخر وهو الأهم نجد أن طرح الأسئلة من قبل الناس اليوم وخاصة في المسائل الشرعية هو هروب من تحمل المسؤولية، وكسل منهم في تحمل عبء البحث وإعمال العقل بالتفكير في الإجابة حين يتبادر إلى ذهنه سؤال ويعجز عن التفكير فيه، ولأن الحاجة ليست ملحة، في ظل توافر المعلومة وتعدد فضائها وتكلفتها فإن البعض يلجأ لطرح السؤال تلو السؤال حتى يجد الإجابة التي تناسبه؟

نقطة تحول مجتمع

سوق الأسهم السعودية كانت نقطة تحول في حياة الكثير، ولو كانت الخسائر المادية تصنف مع الخسائر البشرية، لاعتبرها الكثير كارثة كأحداث 11 من سبتمبر التي غيرت وجه العالم، وتحول الحديث بصيغة «ما قبل وما بعد» وكأنها حقب تاريخية تحاكي الثورة الفرنسية، أو سقوط النازية. قبل انهيار سوق الأسهم كان المجتمع السعودي مؤمنا بحكم تدينه بأن «الحلال عمره ما يضيع» إلى جانب نصوص شرعية تصف الحلال بأنه بين وأن الحرام بين وبينهما متشابهات. لكن سوق الأسهم التي كانت تحمل معها الشك نفسه الذي يأتي مع أي ظاهرة جديدة في مجتمعنا، جعلت بعض الناس يبحثون عن فتوى تجيز لهم المتاجرة في هذه السوق الخطرة.
وحينها استغلت البنوك التجارية التي تحركها المصلحة المبررة، البحث عن طريقة شرعية ومضمونة الربح، فأصبحت تسوق منشورات لمنتجات بنكية مذيلة بتوقيع هيئة شرعية متكاملة.
وحينها ازدحم الناس أمام البنوك، وتحول الجميع إلى الحديث عن المال، في حين تصدى العلماء للفتاوى ذات الشأن الاقتصادي على أنها من عموم البلوى.
وبعد انهيار سوق الأسهم تلاشت أحلام البسطاء وانهارت معها بيوتهم ووجد المحظوظ منهم أنه مدين للبنك بخمس سنوات مقبلة فقط! وعزاؤه الذي يخفف عليه مصيبته هو اشتراك الكثير معه في وطأة الألم، وتعايش مع واقعه الجديد مدركا أن امتلاك بيت صغير سيظل حلما كبيرا.
هذه الكارثة خلفت وراءها فئتين، الأولى نادت بالعودة للقديم لانعدام ثقتها بكل ما هو جديد، وأن الله سبحانه أزال عنهم هذه الأموال المشبوهة، فارتضوا بمصيبتهم.
أما الفئة الثانية: فتعلمت من التجربة، وأرادت أن تعلم أولادها كيف يعملون عقولهم لا أهواءهم.

فاصل إزعاجي

الدعاية والإعلان فن قديم ظهرت الحاجة إليه عندما ازدحمت الأسواق بالبضائع، وحار الناس في تنوع السلع وتشابه طرق عرضها، فبدأ الباعة في ابتكار طرق مختلفة عن السائد في ذلك الوقت للترويج عن منتجاتهم، فكان البعض يخبر الناس عمّا يميز بضائعه بطريقة مباشرة وبسيطة مستخدما قرع الطبول لجذب انتباههم، فيما يتجول آخر لعرض منتجاته على الناس بدلا من أن ينتظر قدومهم إليه.
ثم تطورت وسائل الدعاية حتى أصبحت فنا قائما بذاته، أجبر الشركات على إنفاق ملايين الدولارات كل عام على الدعاية، لتسويق منتجاتها، ولتضمن انتشارها، وتؤكد وجودها في السوق، ما أدى إلى ظهور شركات متخصصة في تقديم خدمات الدعاية وصنع الإعلان، الذي يشترط لنجاحه أن يكون مؤثرا ومبدعا وخلاقا في الوقت نفسه، كأي عمل فني آخر، معتمدا على جذب الانتباه بالإيحاء غير المباشر، وتسليط الضوء نحو المعلومة التي يريد إيصالها من خلال هذا العمل الإعلاني كي يتحقق الهدف المنشود.
وفي ظل هذا السباق المحموم خلف المال، أصبحنا نتعرض لكم هائل من الدعايات في حياتنا اليومية، حيث تواطأت الشركات فيما بينها، واستغلت أي نافذة تستطيع من خلالها أن ترمي طعما يجلب معه ربحا يعود عليها بالنفع.
لكن في عالمنا العربي لم يعد فن الدعاية إلا فاصلا مزعجا في حياتنا اليومية، لا يقدر أحد على الهرب منه، فبغض النظر عن اقتحام مجال الخصوصية، والكسب من وراء ظهورنا عن طريق تبادل هذه الشركات لقاعدة البيانات والمعلومات الخاصة بنا دون اعتبارات قانونية، فإننا نجد الأسلوب الرخيص والساذج الذي تنتهجه هذه الشركات في عرض السلع، وهو أسلوب يستخف بعقولنا ويسيء لنا أولا، قبل أن يشوه ملكة الإبداع في هذا الفن، الذي يفترض فيه أن يقدم صورة جميلة وملهمة، تحثنا على شراء هذا المنتج، أو اقتناء هذه السلعة. وإن صادف وجود إعلان ناجح، فهو للأسف ليس إلا مادة مستنسخة من فكرة إعلان آخر.

المساواة آخر الشهر

وجد الرجل نفسه منذ قديم الزمان أمام أعباء حياتية ألزمته بالبحث عن الطعام وتوفير الحماية والأمان لعائلته، فيما اقتصرت مهمة المرأة على مراقبة الأبناء وترتيب عش الزوجية، وأسهم هذا التقسيم في تضخيم دور الرجل في حال اللجوء إلى عقد المقارنات بين أهمية دوره في توفير الحاجات اللازمة للبيت مقابل تجاهل دور المرأة في المحافظة عليه. وعلى الرغم من تطور الحياة اليوم واختلافها الواضح إلا أن مهام المرأة والرجل لم يطرأ عليهما تغيير كبير، وارتضى كلا الطرفين الالتزام بالتقسيم الذي يتناسب مع الإمكانات المتاحة لهما بحكم طبيعتهما.
لكن المرأة سئمت من هذا التقسيم الذي يبقيها في الظل، فيما ينسب النجاح دوما للرجل، فظهرت إلى العلن وكسبت أول الرهان في نيوزيلندا لتملك حقها في التصويت، ونافست الرجل حتى وصلت إلى كرسي الرئاسة ومازالت تطالب بأكثر.
أما في مجتمعنا فلا تزال المرأة تتذمر من الرجل وترفع في وجهه شعار المساواة ويتعالى صوتها حين تنجح على الصعيد الدولي وتهزم على الصعيد المحلي، وتبرر ذلك بتفاوت الفرص، واحتكار الرجل للسلطة، فهو من يحصل على الوظيفة، وهو من يملك مقود السيارة، وهو من يتخذ القرارات الحاسمة.
لكن صوت المرأة يتلاشى ويختفي حين يأتي آخر الشهر! فعندما تظهر الفواتير ويحل موعد سداد إيجار البيت وأقساط السيارة والمدارس والبطاقات الائتمانية فلا نجدها ترفع شعار المساواة.
وحين حصلت المرأة في مجتمعنا على الوظيفة سرعان ما أنفقت دخلها على حاجاتها الثانوية: كشراء فستان وحقيبة يد وساعة فاخرة وزيارة شهرية لصالون التجميل غالبا ما تكلفها راتبها الشهري، فضلا عن عمليات التجميل التي تشترط التكرار لضمان الربح.
ينبغي إذا على المرأة أن تغير سلوكيات حياتها أولا كي تنال المساواة أسوة بمثيلاتها في الغرب، وتعمل على إعادة صياغة المفاهيم حول الحاجات الضرورية والاستهلاكية كي تتجاوز عقدة الرجل.

اختصار فترة التعليم

ستؤكد إحصاءات التعداد لهذا العام أن الشباب لا يزال يتربع على الفئات السنية في مجتمعنا، وهناك في هذه الفئة وحدها ما سيحتاج إلى تصنيف جديد، فالفجوة تتسع شيئا فشيئا، حتى نكاد نشعر معها بغربة بين أجيال الشباب القريبة منا والمختلفة عنا!
ويشترك في خلق هذا الفراغ عوامل منها التقدم العلمي والتقني الذي يجعل التفاوت بين الطموحات والحاجات صعب التحقيق في ظل قسوة متطلبات الحياة وغلاء الأسعار التصاعدي، وصعوبة الادخار، فضلا عن أن سوق العمل تتطور بمعدلات تفوق ما يتطلبه الوقت للحصول على شهادة ملائمة لحياة عملية حاضرة.
وعلى الرغم من أن حياة الناس بالماضي قد تبدو شاقة ومرهقة لنا، إلا أنها كانت خالية من التعقيد والقلق المزعج، فالهم العام للشاب «الرجل» كان يتمحور حول البحث عن موردين «مادي، وجسدي» لضمان استمرار الحياة عبر المساهمة في خلق شبكة عائلية تمتد لأجيال طويلة، دون أن تشكل أعباء اتساعها عائق ومقلق.
وكان الفرد في الماضي يكتسب ويتعلم مهارات سبل العيش، وتبقى هذه المهارات مفيدة خلال العقود الأربعة التالية من حياته، وذلك لأنها غير مكلفة ماديا وزمنيا، حيث يغلب عليها الطابع الفردي لاكتساب الخبرة من خلال مزاولة العمل الذي لا يشترط شروطا تعجيزية كتوافر عدد كبير من الشهادات واللغات والأعوام!
إن الحياة اليوم تبدو قاسية ومخيفة لأنها تفوق ما نتوقع، فما إن ننتهي من تعلم ما نعتقد أنه سيؤمن لقمة العيش، حتى يباغتنا التطور التقني باستحضار فكرة الجهل التي تخيفنا، وهذا يجبرنا على إعادة النظر في الأجيال التي لا تبدو بعيدة عنا.
ولأن تغيير المناهج يتطلب دهرا طويلا، فلابد من إعادة النظر في كمية الوقت التي يتشرط فيها النظام التعليمي منح الفرد شهادة تؤهله لاجتياز مرحلة ليواصل القفز إلى مرحلة أخرى حتى يتأهل بعد عمر طويل ليجد نفسه في ظل هذا التطور السريع غير مؤهل للعمل.

تحديد نسل للسيارات

في دول كثيرة لجأت الحكومات للحد من ظاهرة ازدحام السير إلى توفير وسائل نقل بديلة ساهمت في رفع الوعي العام اقتصاديا، وصحيا، وبيئيا: فاعتاد الناس المشي نحو محطات النقل العامة باختلافها للوصول إلى أعمالهم في الوقت المعتاد حتى لا يفوتهم موعد الناقلة المحدد بدقة شديدة، وكذلك بهدف ادخار مصروفات الوقود الباهظة.
هذه الآثار وُلدت معها ثقافة عامة اشترك الجميع في اعتناق ممارستها، حتى الطلبة السعوديون في الخارج يُرغمون ـ رغم توافر المال في الغالب ـ على الاندماج مع جموع الناس ليصطفوا معهم في انتظار الحافلة، لأنهم أدركوا سريعا أنها أفضل من حلولنا الخاصة.
في مجتمعنا تخرج الأم مع السائق برفقة أطفالها في الساعة السادسة والنصف كي توصلهم إلى مدارسهم المختلفة، ثم تذهب هي إلى مقر عملها، وفي الطريق تتصل بابنتها التي تعمل مدرّسة لتطمئن لأنها خرجت في الخامسة فجرا. وفي السابعة والنصف يستيقظ رب البيت متأخرا عنهم بعشر دقائق ويتناول الإفطار وحيدا، فالعائلة سبقته في الخروج ثم يذهب هو أيضا إلى عمله، وفي التاسعة يستيقظ الابن كأبيه ليخرج متجها إلى الجامعة. أربع سيارات منفردة خرجت الآن من بيت واحد، وربما هناك أكثر منها يخرج من بيوت أخرى، ويقضي أفراد العائلة أغلب اليوم منفصلين بعضهم عن بعض حتى ليمر اليوم بطوله دون أن يرى أحدهم الآخر.
ثقافة استخدام وسائل النقل العامة ربما لا تتناسب مع من يتمسك بالخصوصية التي يتفرد بها مجتمعنا، وقد يطول انتظارنا «المترو» زمنا طويلا، وربما نفارق الدنيا قبل أن نشاهد قطارا يسير بين طريقي الملك فهد والعليا كما في الصورة الحلم.
لذا فإن الحل الأمثل للحد من الازدحام هو تحديد نسل هذه السيارات التي تخرج من البيت الواحد وإرغام أفراد العائلة على الاستيقاظ مبكرا لاستعادة وحدة الأسرة داخل سيارة واحدة من جهة، ونساعد على حل هذه الأزمة من جهة أخرى.

الاثنين، أبريل 05، 2010

حلم نبته صغيرة


كانت تفوق أحلامه بأسرها، فهو لم يحلم يوماً بأن يضمها إلى ممتلكاته البشرية التي تحيط به الآن، حتى في أقصى خيالاته الجامحة، كانت لتكون مجرد نزوة لايقدر على الامساك بها، وإن قدر لها أن تحدث، فهي ستحدث لمرة واحدة فقط.
كان يحدق إليها طويلاً، مستعيداً بذاكرته ذلك الزمن الذي ظهرت فيه لتبعثر تلك الأوراق التي تجاورها، تتطاول بساقها الطري كي يراها تنفض عن نفسها ما علق بها من قبلات الليالي، فاردتاً أوراقها ببطء لتغتسل بنسمات الهواء التي تخترقها بلطف، وتهتز بجسدها أمامه بضعف يذكره بها، تحلم بأن تغدو حرة فتطير معه حتى تعانق بحبها باب السماء، فليس لسقف أحلامها حدود، كما ليس لحياتها معه أي وجود.
فيما كانت زوجته ترمقه بنظرات وهي تسرق اللحظات على عجل محاولة طرد الكسل الذي يحوم فوق وجوه أبنائه في صباح كغيره من الصباحات المملة لتعود إليه وتسأله:
- أراك سعيداً جداً بهذه النبتة الجديدة.... أتراها ستسرقك عني؟
يجيبها بعد أن أشاح ببصره في الأفق البعيد، مانحاً لنفسه الوقت كي يلتقط أنفاسه الهاربة، ليبدو وكأنه للتو هبط إلى هنا قادماً من حلم غريب:
- ليست سوى مجرد نبتة اسمها أحلام يا زوجتي العزيزة.
في حديقة منزله غرسها بيديه لتنمو وتكبر بين زوجته واطفاله، بعد أن اشتراها في إحدى لقاءاتهما السرية حين كان معها، حاضناً يدها بيده، فيما تلتف الأخرى لتحكم السيطرة على حدود جسدها.
يخبرها بأنه سيضعها في حديقته، وسيسميها باسمها، وكهذا سيبدأ بها صباحاته كل يوم، ويلامس بعينه أوراقها الملساء كما تلامس يديه بشرة جسدها الرقيقة، دون أن يعرف أحد بسره المدفون في حديقة بيته. يعدها بأنه سيعتني بها طويلاً، وسيسقيها كل يوم بماء حبه كما يفعل معها، وسيطرد عنها كل الكائنات الغريبة التي تحاول أن تمتص من رحيق سنوات عمرها.
يظل يراقبها بحذر حتى تخرج زوجته للحياة، فيما تذبل هي بين يديه، ويموت جزء منها في كل مرة تخلع حياؤها في مواجهة الحياة معه.
في مساءات الغياب كانت تنطفئ تحته كشمعة شوهتها لهيب نيرانه المحمومة، يسحقها بجسده لتتساوى مع تربة الأرض غارساً في جسدها شيء منه، تعلو وتنخفض، لينتفخ صدرها أكثر ويرتفع نحو الفراغ الذي يفصل جسديهما، فتخور قواها أكثر، وتعجز عن اشباعه لوحدها، فتتأوه مستعيدة بأنفاسها غيابها عن الوجود، بعد أن أنهكها الصعود بلذة نحو قمة الحب المزعومة।
تداهم عقلها المخدوع صور متشابهة في سنوات عمرها الضائع معه، وتخترقها رائحة زوجته العالقة بالسرير وفي أرجاء غرفته، فتتخيلها عارية تحت قدميه كما تفعل الآن معه، تتقاذف بها الأفكار القديمة وتلح كالأقدار حين تبقى في العدم، ولا تظهر إلا حين تتجلى المآسي نحو الوجود، فتبكي نفسها على حب سرق منها ثلاثة أعوام كاملة، ليقظ مضجعها، ويفسد عليها لحظات لاتعيشها إلا في زمن الغياب، حين تعود وحيدة لبيتها الصغير بعد أن يطردها شبح زوجته التي تعيده إليها من جديد، فتؤلمها صفعات الإدراك التي تباغتها حين تتملكها حالة الشعور بالندم، لتصحو على لهث أنفاسه المتلاحقة كحيوان أنهكته فريسته، فلم يعد يقوى على نهشها أكثر।
تنهض من السرير وهي تتكئ على أطرافها العارية هاربة من جديد، لتجمع قطع ملابسها المبعثرة في ساحة الغرفة كأشلاء جثث معركة للتو انتهت، وترتدي ملابسها لتغادر بيته بسرعة قبل أن تعود زوجته إلى هنا، تودعه وهي تحبس دموعها قائلة:
- لم يعد هناك مايستحق لأن أبقى معك بعد الآن.
كان يعلم جيداً كيف يسلبها حرية الحركة، فجذورها الآن باتت عالقة في التراب، متشبثة فيه، ومتنفسه هواءه.
لم يكن يجادلها مطلقاً في مثل هذه النهايات التي اعتاد عليها حين يراها تفيق من نومها معه على السرير ذاته، بل نهض عارياً من الكلام ليجمع معها ماتبقى من أوراقها المتناثرة هنا وهناك، يناولها حقيبتها، وكتاب كانت تتسلى به حين كانت تنتظر خارجاً، وينظر نحو عينيها التائهتين في صمته، ويقبلها على رقبتها ويحتضنها هامساً بأذنها من جديد:
- أنتِ حبيبتي .........!

السبت، مارس 27، 2010

الخطر القادم



كلما ازداد عدد أصدقائك في عالمك الافتراضي* كلما تناقص عددهم في عالمك الحقيقي. أليس هذا مخيباً؟
يسرق منا هذا الجهاز أوقات كان من المفترض أن نعيشها في هذه الحياة من خلال وجودنا الحقيقي، لا أن ندعي ذلك من خلال بقاؤنا قابعين خلف هذه الشاشة الصغيرة لنجوب فضاءات عديدة، متجاوزين حدود عالمنا، راكضين خلف تلك الإضافات طلباً وإجابة، نسأل ونجيب، نضحك متصنعين الفرح بنقرة على حرف! ونبوح بالأسرار تلو الأخرى لأشخاص لا نعرف عنهم سوى مايقولون، ولا نسمع منهم سوى صوت نقرات أصابعنا السريعة على لوحة المفاتيح التي أمامنا خوفاً من أن يملوا الانتظار!
لا نلمس حقيقة وجودهم في حياتنا، لأننا توهمنا بأن ما افترضته أخيلتنا عنهم أجمل بكثير من أن تكون حقيقة.
أتعجب أحياناً من قدرة هؤلاء الأشخاص الذين يغوصون داخل تفاصيل تلك الأجهزة ويعرفون أيها أفضل كي يبقى أكثر بعالمه المتخيل، يحشر بجيبه الصغير مايربو عن مئة صديق يحملهم معه أينما ذهب، يشاركهم كل لحظاته، بدء من سرير النوم حين يستيقظ في الصباح، لينتهي معهم في السرير أيضاً مرسلاً لهم: جاء وقت النوم يا أصدقائي، كان ودي أجلس أكثر. ( أكثر من ماذا؟ من يوم !!!)
أحيانا يأخذني الفضول لأكتشف هذا العالم. كيف يملك هؤلاء طاقة من الوقت والجرأة لنقل كل تحركاتهم ومشاهداتهم بطريقة سريعة وحية، حتى ليبدو لدي أنهم أفصل من الكي بي جي أو سي آي سي.
مشاركة الآخرين لحظة بلحظة: نوع الأكل والشراب، لمحة سريعة عن الطقس، تذمر من العمل، ثم الانتقال لسرد باقة طويلة من التذمرات تباعاً وبالتأكيد ستنتقل إليك وتؤثر فيك بشكل غير مباشر....... الشعور بالممل، بالإحباط، بالتساؤلات، بآخر الاقتراحات، لتنتهي بسرد أسماء يكرهونهم لأشخاص في حياتهم (غالباً ماتدور حول أفراد العائلة، أو شخص ما !).
وفي الحياة الحقيقية حين تتأمل الناس في الشوارع، فتجدهم يمشون بخطوات قصيرة وسريعة، منحني الظهور، تتقاطع طرقهم ببعض ويتصادمون كالقردة، يمسكون بأيديهم أجهزة صغيرة، ينظرون فيها طويلاً، أو يضغطون على مفاتيحها بسرعة، وكأن العالم على وشك الانهيار من جراء سقوط نيزك مدمر، ليفني جيل هذه الأرض، وتظهر كائنات أخرى جديدة، تبحث في سبب فناء من قبلها وتظل تجهله.
مؤلم جداً أن تشعر بغربة تسحق وجودك في ظل وجود الآخرين حولك!
ومؤلم أكثر حين يكون هؤلاء الآخرون هم أقرب الناس إليك كعائلتك: أخوك، أختك، ابنك أو ابنتك!
وكم هو قاتل جداً أن تشعر بذلك مع أصدقائك الحقيقيين !! (هذا هو عالمك الحقيقي)
إنه يتساقط أمامك ويتلاشى وجوده الحقيقي عنك، وتعجز أنت حتى عن الإمساك به، لتبقى فقط ركام الأجساد حاضرة في الوجود!
لكن مافائدة وجود تلك الأجساد المتراصة حولك إذا كانت عقولهم تولي تلك الأزرار في لوحة مفاتيحهم اهتماماً أكثر منك، وتظن بأن مجرد الأحرف التي تتراص أمام الشاشة أشد عمقاً من كلماتك!
لم يعد هناك ثمة من يريد أن يتحدث معك أو يسمعك إلا من خلال هذه الأجهزة اللعينة !!!!!

أتركها الآن أو أرمها من بين يديك، وأغتنم ماتبقى من حياتك، شاهد ماتغير من حولك، وراقب من تبدل، لاحظ من تقدم في العمر، ومن تأخر، ربما سيأتي يوم لن تقدر على فعل ذلك.
لنتحكم في أوقاتنا، بدل أن تتحكم فينا، لنتذوق الحياة بكل حواسنا ونشعر بفائدة كل حاسة غرست فينا بدل أن نهملها فتموت مع الزمن أو تتحول كما تفعل أجسادنا.
___________
* العالم الافتراضي: هو خطر قادم من كائنات تعيش في عوالم موازية لعالمنا، لها وجود يختلف عن إدراكنا الحقيقي للوجود، ولها لغة أخرى تتشابه في ظاهرها بلغتنا، هي متوغلة فينا دون أن نشعر بعمقها، حتى دون أن نلمسها، لكنها تفصلنا أكثر عن أن نلامس أجساد من نحب كي نشحن طاقتنا بهم، إنها تبلد أحاسيسنا ومشاعرنا، وتعبث بعقولنا، وتدمر مفاهيم الجمال في حياتنا كالحب، والصداقة، وتزرع فينا قيم أخرى ومشاعر لاتقوى سوى أن تطفو كغيمة على أسطح عقولنا، تظلل علينا وتظللنا عن أن ندرك خطورة مايحدث!

الثلاثاء، مارس 09، 2010

حين نتوقع أكثر مما ينبغي !

حين نرى شخصاً يحمل كتاباً نفترض على الفور بأنه يعرف القراءة، وحين نقرأ لكاتب ما نقداً للمجتمع، نجزم على الفور بأن سلوكياته غير قابلة للنقد.
ورغم ميل معظم الناس إلى معرفة التفاصيل، ورغبتهم في معرفة كل شيء، إلا أنهم ينقادون بسرعة وراء أحكام مسبقة نتيجة ثقافة وخبرات اكتسبوها من خلال حياتهم راسمة الحدود التي يسير بداخلها كل شخص منهم ومحددة تصرفاته في المواقف المختلفة ويصدر بناءاً عليها افتراضاته وأفكاره ومفهومه عن ما يحدث حوله.
هذه الرؤية التي يحكم من خلالها أغلب الناس، تجعلهم غير قادرين على إصدار أحكام موضوعية، وعادلة. رغم أنها في نفس الوقت قد تكون صادقة لكنها ليست حقيقية !
في المقابل حين نغرق في هذا النمط من التفكير، نبدأ في خلق ما هو ليس حقيقي، ونحلق كثيراً وراء افتراضات مزيفة راكضين خلفها حتى تغدو أكبر من حجمها الحقيقي، وبعيدة عن عالمها البسيط الذي يحاكي الواقع.
فحين نعجب بكاتب، أو شاعر أو شخص ما قد يصنف من طبقة المثقفين من خلال قراءتنا لما يكتب، فنبدأ في رسم صورة مثالية له ولهذا العالم الذي ينتمي له، نخلق منهم أشخاص كما يخلقونها في كتبهم، ننتقي لهم الصفات كما ينتقون الكلمات التي تروق لهم، ونستبعد كل ما هو سيء كما يبترون من حكايتهم ما قد يسيء لهم، حتى يصبح في نظرنا شخص ليس له وجود حقيقي على أرض الواقع، وإنما بداخل عقولنا التي افترضته في عالمها الخاص، ونظن أن ذلك هو استثناء لكل القوالب التي تمتلئ بها رؤوسنا، فلا نعد قادرين على توقع إلا ما هو جميل فقط.
وتزامناً مع إقامة معرض الكتاب وفعاليته المصاحبة كالندوات والمحاضرات، سنصادف بالتأكيد كتاباً ومثقفين كنا نعيش مع كلماتهم أكثر مما نعرف عن حقيقة حياتهم، ونتخيلهم في صورة أقرب للمثالية وأبعد ما تكون عن الواقعية، وربما ستسنح الفرصة لأن نقترب منهم أكثر، ونلمس وجودهم الحقيقي لنكتشف أنه لا يختلفون قدراً عن غيرهم ممن قابلنا في حياتنا، وربما يصغرون حجماً في العالم الذي افترضناه لهم.
فسرعان ما نصاب بخيبة كبيرة، حين نكتشف أن هذا العالم كان أقل بكثير مما توقعنا، وتزيد الخيبة اتساعاً كلما كانت توقعاتنا التي توقعناها لا تتطابق مع ما رسمناه.
في نهاية الأمر نجد أننا قد تسببنا على أنفسنا بالألم أكثر مما قد يجلبه لنا الآخرون. ومرد ذلك ليس إلا أننا استقينا أحكامنا من خلال عالم لا يوجد سوى على الورق فقط، وخدعنا أنفسنا في رسم صورة غير حقيقية عنهم، فكشف لنا الواقع صدمة أذهلتنا حين شاهدنا ضآلة هذا القالب الصغير.